كتب احمد عمر:
في خطوة تعيد رسم المشهد الجيولوجي والطاقة العالمي، أعلنت الأكاديمية الصينية للعلوم عن اكتشاف ضخم لأحد أكبر رواسب الليثيوم في العالم بالقرب من جبل إيفرست، على ارتفاع يتجاوز 5500 متر فوق سطح البحر. ويعد هذا الاكتشاف، الذي يصفه العلماء بأنه “الذهب الأبيض في السحاب”، الثالث من نوعه في الصين.
وقد يحتوي على أكثر من مليون طن من أكسيد الليثيوم، المكون الرئيسي في بطاريات السيارات الكهربائية وأجهزة التخزين الحديثة للطاقة.
بينما يعزز هذا الكشف طموحات الصين في الهيمنة على سوق الطاقة الخضراء، فإنه في الوقت ذاته يثير قلقا بيئيا عالميا بشأن التأثير المحتمل على واحد من أكثر النظم البيئية هشاشة على وجه الأرض.
الذهب الأبيض في السحاب.. إنجاز علمي بوجهين
يقع الموقع المكتشف حديثا بالقرب من قمة تشيونججياجانج على هضبة تشينجهاي-التبت، على بُعد ثلاثة كيلومترات فقط من محمية جبل تشومولانجما الطبيعية، المعروفة بـ”سقف العالم”.
وتُشير التقارير إلى أن الصخور في المنطقة تحتوي على معدن الإسبودومين عالي الجودة، وهو المصدر الرئيسي لليثيوم في أستراليا، ما يجعل الموقع الجديد منجما استراتيجيا يمكن أن يصبح من بين الأكثر إنتاجية عالميا.
لكن في مقابل هذا الطموح العلمي، يُحذر الخبراء من ثمن بيئي باهظ. فالهيمالايا، التي تغذي أنهارا يعتمد عليها نحو ملياري إنسان في آسيا، قد تدفع ثمنا غاليا إذا أدت أنشطة التعدين إلى تلوث المياه أو تسريع ذوبان الأنهار الجليدية.
تحديات على ارتفاع شاهق
وتواجه عمليات استخراج الليثيوم في مثل هذه الارتفاعات عقبات لوجستية وبيئية ضخمة. فندرة الأكسجين، وصعوبة نقل المعدات، والظروف المناخية القاسية تجعل التعدين مكلفا من حيث الطاقة والانبعاثات الكربونية. وهو ما يطرح مفارقة لافتة: هل يمكن لمصدر طاقة نظيف أن يُستخرج بوسائل تُلوث البيئة؟
وقد حذر علماء البيئة الصينيون من أن التعدين في الهيمالايا قد يسبب “أضرارا لا رجعة فيها” للنظم البيئية الإقليمية. وقال أحد الباحثين في الأكاديمية الصينية للعلوم: “قد نحصل على سيارات أكثر نظافة، لكننا قد نفقد الدرع البيئي الذي يحمي الكوكب”.
الليثيوم.. النفط الجديد وصراع النفوذ العالمي
ويصف المحللون الليثيوم بأنه “النفط الجديد للقرن الحادي والعشرين”، إذ أصبح محور سباق عالمي لتأمين الموارد اللازمة للتحول الطاقي. ومع أن الصين تُهيمن بالفعل على سلسلة توريد الليثيوم العالمية من التعدين إلى تصنيع البطاريات، فإن هذا الاكتشاف الجديد يُعزز قبضتها بشكل غير مسبوق.
ويحذر خبراء الاقتصاد من أن توسع الصين في السيطرة على سوق الليثيوم قد يضاعف الاعتماد الدولي على صادراتها، ويعيد رسم التوازنات الجيوسياسية للطاقة النظيفة.
وفي المقابل، تسعى الولايات المتحدة وأستراليا لتقليص هذه الفجوة من خلال مشاريع محلية ضخمة، لكنها لا تزال بعيدة عن حجم الاكتشاف الصيني الأخير.
مفارقة التحول الأخضر
ويُلخص هذا الاكتشاف التحدي الأكبر أمام البشرية: كيف نُحقق التحول إلى الطاقة النظيفة دون الإضرار بالكوكب الذي نسعى لحمايته؟
فالليثيوم، الذي يُمثل جوهر الثورة الخضراء، قد يتحول إلى معضلة أخلاقية وبيئية إذا استُخرج من مناطق تعد من أكثر النظم البيئية هشاشة في العالم.
ويدعو خبراء البيئة إلى رقابة دولية وشفافية في إدارة الموارد، ويؤكد باحث في جامعة بكين أن “الانتقال إلى الطاقة المستدامة لا ينبغي أن يعني التضحية بالتنوع البيولوجي في سبيل الاقتصاد”.